لا تفرط في امرأة كتبت لك

لا تفرّط في امرأة كتبت لك , فالجميلات حين يحزنّْ يكتبنْ , وحين يُحببن يفضن قصائدا وأغنيات.
تلك التي كتبت لك قد وطأت أجمل ما تملك من أبجديتها لتصعد إلى عقلك وتخترق قلبك كشعلة نار , تجمّلت بالحروف واختبأت خلف خمار القصيدة لكي تكتب “أحبك” لقد كلّفتها هذه الكلمة الكثير جدا.
هي تستطيع أن تضع مساحيقاً تجميلية حين تراك لكنها تريدك أن تنفذ إلى روحها بسرعة عبر مسامها الذي ينفث محبة وأن تستنشق عبير كل الحضارات التي تكرّ وتفرّ فيها , وربما قد يكون عطرها المفضل كتاباً لبابلو نيرودا أو أغنية لنجاة الصغيرة فلا تعجب ,
ولا تعجب لو حاولت أن تثبت لك جاهدة في أول لقاء لكما أن “جاردر” أفضل من “كونديرا” بدلاً من استمالتك ب”حركات بنات” , ليس لأنها لا تجيدها بل لأنك بطل قصتها الضائع وهي أخيرا قد عثرت عليك.
وإذا أتتك محاربة كشمسٍ تستعر تحمّلك أوزار الحياة , فهدّئ من روعها بعناق قلبها التعِب , لقد كان شعوراً قاسياً , وأنت ربما تأخرت , تأخرت على صدفة تلاقيكما كثيراً ,
ألم تضرب موعداً مع القدر ليرسلك في هدية بابا نويل؟ ونذراً مع الغيم ليهطلك؟ وسلاماً مع العمر ليزهرك؟
لقد تأخرت وربما تراها قد أصبحت قاسية ولكنك لو تأملتَ أصابعها حين تكتب عنك قصةً قصيرة وكيف تضرب على لوحة مفاتيح حاسوبها بهشاشة سوف تدرك أن قلبها ليّن كبشرة طفل حديث الولادة.
لا تفرط بها ولا تقع في فخ “من يريدك يأتيك” , أي امرأة لا تكافح للحصول عليها أنت لا تستحق قلبها, الحياة ليست كريمة إلى حد أن تمنحك كل مَن تريده دون كفاح.
لا تفرّط في امرأة تصلي لك , وهي لم تكن تعرف كيف تصلي , لكنها تريد أن يحضر الرب زفافكما الأول , ذا النظرة الأولى والسلام الأول.
لا تفرط في امرأة تبكيك كلما نزل المطر متخفية وراء مائه, وكلما كسرت أحد ألعابها القديمة تبكيك , هل تصدّق أن هناك امرأة تبكي لمجرد كسر أحد ألعاب الطفولة القديمة؟ إذا قابلت إحداهن فاعلم أن وراء هذا البكاء سبباً جوهرياً خفياً يأبى كبرياؤها أن يفصح عنه.
اربت على كتفيها فهي مهزومة في تلك اللحظة أكثر من أي وقت مضى.
لا تفرّط في امرأة تزرع الياسمين في حديقة قلبها بكتابٍ يحكي قصصاً أسطورية في الحب وتنام تحلم بعنترة أو تغفو على ديوان شعر لنزار,
هي رقيقة كـفراشة , وحيدة كشرنقة , وهي الآن تكتب لك قصائداً تغزلها في ضفائر شعرها أو تدسّها تحت وسادة نومها وتغفو.

عزيزي الله

عزيزي الله إذا كنت لا تزال تنظر إلى هذه القطعة التي أحتلها من الأرض ، إذا كنت لا تزال تهتم لأمر أحدهم ههنا في هذه الحياة ، فأنا أود أن أقول لك أنني أشعر بالهزيمة والوحدة الشديدة ، أشعر بأنك لم تعد تحبني كما سابقا ، أفترض أنني قمتُ بشيء أغضبك ولكني لا أذكر أني قمت بشيء فظيع في حق أحد أو حقك فلو كان ذلك صحيحاً فأرجو إعلامي بما قمت به حتى أصحح أخطائي.
أنت تعلم أنني منهكة كثيرا وأنني حزينة أكثر من أي وقت مضى ، أنت تعلم أنني لم يعد يفرحني شيء ولا يدهشني شيء وأني أسير سريعا إلى شيخوختي، بتُّ عجوزا مملة ، أحاديثها قديمة وأسطورية وأغلبها غير حقيقي ، عجوزا يلتهم عقلها الزهايمر غريب يوما بعد يوم.
عزيزي الله أعتقد أنك لم تجرب طعم الهزيمة يوماً ، لذا أود من أخبرك أن طعمها قاسٍ جدا ، وأنني أضعف من أن أستحملها زمناً طويلا ، أفترض أنك لا تزال تحبني كعهدي البعيد بك ، وأحيانا كثيرة أهدّئ من نفسي بحيث أقول أنك بهذه الأمور والاختبارات تريد تقويتي وأنك ربما تصطنعني لنفسك تريد أن تهيئني لأمر مستقبلي ما ، لحدث سعيد وجميل، أحيانا ما أمنّي نفسي بذلك ولكنني الآن متعبة ويائسة ولا أدري أذلك من ضمن قصص العجوز التي ينسجها خيالي أم أنها فعلا حقيقة. فإذا كان ذلك صحيحا فأرجو أن تلهمني الصبر وأن تهبني قلبا جلِدا قويا حتى أواجه ما كتبته عليّ.
ستقول أنك لم تبتليني بمآسٍ كبيرة وأن ثمن ذلك كان عدم منحي فرحات كبيرة بالمقابل ولكن أريد أن أسألك ماذا تساوي الحياة دون مآس كبيرة وفرحات كبيرة؟ ماذا تساوي إلا الموت؟
إني أفتقدك كثيرا في أحلامي ، لم تعد تأتي ولم تعد ترسل أنبياءك كي يسلونني في أرض الأحلام ، لم تعد ترسل جدتي إلى هناك لأراها وأشعر بتلك الطمأنينة التي أفتقدها جدا الآن. كنتُ قد اكتفيت بهم هناك لماذا سلبتني آخر الأراضي التي أقف عليها بثبات ولو كانت لا تتجاوز الإثنا عشر ثانية علمياً.
أريد أن أخبرك لأني أثق بك ، أثق بك كآخر طوق نجاة وأوله ، لم أعد أثق بأحد ولا أحب أي أحد ولا يثيرني شيء ، لم أعد أمتلك القدرة على المحبة، الحب قدرة وأنا ضعيفة ، ضعيفة وبائسة جدا.
أرجو ألا تغضب مني لما أقول هنا فأنا لازلتُ أحبك حتى لو لم تعد تكلمني وترسل لي رسائلاً تحذرني فيها من شيء أو تبشرني فيها بشيء.
أريدك أن تعلم أن كل ما أشعر به وما يحدث لي بكفة وعلاقتي بك بكفة أخرى ، أنا حتى لو خسرتُ آخر جولاتي وعدتُّ بجيشي مكسورة إلى أني أهتم لكونك أنت فقط بجانبي ، أهتم لمحبتك أنت فقط ، وأريد ذاك السلام الذي يبعثه التفكير بك.
أنت وحده الذي يعلم بالغصة الأليمة التي تشق وسط حلقي الآن وأنت وحده الذي يرى الدمعة المتجمدة في طرف عيني وأنا أقف ك فزّاعة عصافير بلا أي احساس ولا قوة أداري كبريائي أمام الناس ، وأنت وحده الذي يرى قلبي ينحسر في صدري يوما بعد يوم ، أنت وحدك الذي قادر أن ترى كل ذلك ، وأنا أطلب عونك يا إلهي ، ف كن ناسي بعدما تركني الناس ، وكن قوتي بعدما وهن عظمي، وكن عقلي بعدما انهارت ذاكرتي وكن قلبي بعدما ضعُف قلبي وكن سقياي بعدما ذبلت أشجاري وكن صديقي وإخوتي وأمي وأبي وكن جاري وكن وطني وكن علمي وكن أنيسي وكن ضوئي وكن ظلمتي وكن يا الله راحتي وسلامي وحربي.

عن ماذا أتكلم؟

حين ألفّ شوارع العاصمة ومكتباتها شارعاً شارع ومكتبةً مكتبة , بحثاً عن كتاب “المكتبة في الليل” أو “تاريخ القراءة” لألبرتو مانغويل ولا أجدهما بل وأقابل علامات استفهام تصّاعد من وجوه أصحاب المكتبات تُفيد بأن “ما هذا الذي تتكلم عنه؟!” بالمقابل أرى كل المكتبات تعرض على الواجهة الرئيسية “عابر سبيل
عليك اللهفة , نسيان.كوم ,في ديسمبر تنتهي كل الأحلام” وشاكلاتها من الكتب , أتيّقن بأن هناك خلل في أولوياتنا القرائية , وأنه من الطبيعي كوني لم أجد كتب مانغويل التي تتحدث عن مفهوم القراءة بشكل فلسفي وبكافة أبعاده المعنوية والروحية
فمن الطبيعي إذاً أن نجد أولويات قراءات شارعنا العربي هي كتب حشو أدبي وكلام منمّق ليس أكثر يصلح كخواطر مراهقة توّها تخطو أولى خطواتها في الحب وتتخبط وتغدر وتُغدر.

إذاً ما هذا الذي أتكلم عنه؟ باحثةً عنه كأم تاه عنها طفلها.
قرأت عن كتاب المكتبة في الليل ذات صباح صدفةً في إحدى المدونات وكردّ للجميل وكيلا يقف هذا الكتاب عندي فحسب أردتُ الكتابة عنه منذ زمن, كانت رحلة مليئة بالمحبة والتاريخ والفلسفة والمعلومات كيف لا! وهو يتحدث عن مفهوم يجمع كل هذا فيه “القراءة”
كتاب بفصوله الإثني عشر تصلح كتعويذة يجب قراءتها قبل الشروع بقراءة أي كتاب لتقرأ بقية كتبك فيما بعد بشغف وبطريقة مغايرة لم تعهدها في شخصك من قبل.
فهو من الكتب العظيمة التي تندرج ضمن “أنت قبل قراءة هذا الكتاب لستَ كما أنتَ بعد قراءته”
بعد قراءته ,سيجري بينك و بين كتبك حوار خفي فيه من الشكر الكثير و من الاستفسارات الكثير الكثير, عن كل ذكرى رافقت كتابا ما و عن التفاصيل الصغيرة التي يضمها كل كتاب ,تحدث فيه ألبرتو مانغويل عن المكتبة كأسطورة، كتنظيم، كمكان، كشكل، كعقل، كوسيلة بقاء، كخيال، كهوية وأخيرًا كوطن ،
كما يحوي عدد كبير من الاقتباسات، وعدد مهول من أسماء المؤلفين والكتب، ووصف دقيق لبعض المكتبات العظيمة عبر التاريخ مثل مكتبة آشور بانيبال، ومكتبة الإسكندرية ومصيرها الحزين،
ومكتبات نتعرف عليها لأول مرة مثل مكتبة فاربورغ المرتبة بطريقة مميزة أذهلت الفيلسوف كاسيرر عندما زارها لدرجة أنه قال “سوف لن أعود إلى هنا ثانية أبداً، إذا رجعت إلى هذه المتاهة، سأنتهي إلى الضياع”.
ويأتي هذا الكتاب إجابة عن سؤالنا الصغير لماذا يكتب الكتّاب عن كل شيء ثم لا يكتبون عن الكتب ذاتها؟ عن تجربتهم في الكتابة ,وتجربتهم في القراءة التي مهّدت لهم عبر سنوات سبيلاً للكتابة , لكل مؤلف قصة مع الكتب ومن حسن حظنا أن مانغويل أحد الكتّاب القلائل الذين تولوا هذه المهمة بإخلاص.

من هو ألبرتو مانغويل؟
كاتب أرجنتيني الأصل، كندي الهوية، صاحب الكتب الشهيرة والرائجة عالميا ومنها تاريخ القراءة الذي ترجم إلى لغات عدة وكتابنا “المكتبة في الليل”.

*نحن لا نستنكر قراءة أي كتاب بأي طابع كان “كتب مستغانمي أو كتب النشمي مثلاً” وتبقى حرية شخصية بحتة تعود على طبيعة القارئ وما يفضّله , ولكن أستغرب من أننا لا تتواجد في مكتباتنا الكتب التي تعلّمنا حب القراءة وتاريخها وأهميتها وكيف نقرأ وماذا نقرأ في حين نركض لاهثين على كتب لا تُبقي ولا تذر.

صديقة الوحدة … هيباتيا

نما بيني وبين هيباتيا شعور عميق , كثيراً ما حاولتُ أن أكتب عنه أو أشرحه حتى عندما فكرتُ بالكتابة عنها كنوع من العرفان بالجميل وجدتُني أتملّص كثيراً من ذلك لأنني أعتبرها سراً صغيراً مخبّأ بيني وبيني لا أود إطلاع أحد عليه.. وقد حاولتُ كثيراً أن أحدد بداية إعجابي بالشخصية , قراءة كتاب معين مثلاً أو مشاهدة برنامجاً أو فيلماً, ولكني لم أستطع , لذا فأخذتُ أؤمن أنها موجودة فيَّ منذ الأزل وأني أعرفها تمام المعرفة حتى من قبل أن أقرأ كلمة واحدة عنها… هيباتيا تأخذ أبعاداً شتّى في
Continue reading

حين أريد البكاء

لدي مبرراتي الكافية لأن أتوسد عتبة الجرح وأبكي, ليساً ضعفاً ولا قلة حيلة وأعلم أن ما بي ليس نهاية المطاف
وأنك ربما تعاني أكثر مني, ولكني حين أريد البكاء تنتفي كل المعقولات وأضع الغد على طاولة بالقرب من سريري .. وأبكي.
البكاء طقس بدائي نعود فيه إلى طبيعتنا الأولى وإني أحب البدايات كثيراً , وأحب أوّلنا الغريب ,
ذاك وتلك بشعرهم الكثيف , وملابسهم المصنوعة من الشجر , وأحب الشجر المترامي في الأفق ,
وأفراحهم وهواجسهم وأحزانهم التي تبدو بالنسبة لنا مضحكة نحن المتحضّرين ذوات الفساتين القصيرة والشعر المصفف ,
أفراحهم التي يبدؤونها بقرع الطبول , وفساتينهم الذين يخيطونها من الغابات , وزينتهم التي يصنعونها من الخزف والعظام.
لقد زاد تحضّرنا انتقلنا إلى الخيمة ولم نجد لأحزاننا حلا , ثم انتقلنا إلى البيت ولم نجد لأحزاننا دواءً ,
وحين انتقلنا للدور الثالث والعشرين بناطحة السحاب رمى بنا حزننا من هناك ثأراً للكهف الذي تركناه وحيداً.
كلما زاد ترف الانسان وتمدّنه سوف تزيد أحزانه وقيوده وعويله , إنها لعنة الكهف الذي هجره والشجر الذي قطعه والخزف الذي خلعه.
أما أنا فلستُ سوى امرأة تعبر فيها لعنة الطبيعة , وتتسربل عبرها قبائل بدائية حزينة. مبرراتها كافية لها فقط , ولن تتوقف عن البكاء حتى تشعر بالحاجة للتوقف عن البكاء.

النول وداخلي المبعثر

حين كنتُ في الابتدائية كنتُ أكره حصص التدبير المنزلي التي أشعر أنها تحضّر زوجات لوحش عظيم سيظهر في نهاية العام.
ولكني كنت أعشق عندما نصل إلى قسم تعلّم “النول” وهو عبارة عن إطار خشبي نضع عليه قماشة بإحكام ثم نأخذ بتطريز ما يحلو لنا
من أزهار أو أشكال بخيوط ملونة.
كنتُ أختار الخيوط بدقة كبيرة جداً فأنا لا أريد أن أغرز بقماشتي لوناً لا أحبه أو غير جميل أو لا يريح الرائي نفسيا ويفرحه.
أحرص على الذهاب إلى المكتبة حيث يبيعون أدوات التفصيل الجيدة بعيداً عن ازدحام محل الخياطة القريب من بيتنا ببائعه العجوز
المتعجرف , محله صغير وخياراته محدودة وألوانه قاتمة , وأنا أريد أن ألوّن طارتي بأبهى الألوان.
حينما أذهب إلى المكتبة أنتقي أرق الأقمشة وأكثرها نعومة وأنتقي طارةً دائرية فأنا أخاف الزوايا وهي تشعرني بالصرامة والحزم
وأنا أريد أن أكون صديقة طارتي.
ألوان الخيوط متنوعة مع عدم البذخ في ذلك , ف عشر ألوان تكفي وزيادة , بين الوردي الغامق والفاتح والبنفسجي والأصفر
والأرجواني والأخضر والأزرق والسماوي.
وغالباً ما أختار طارةً بقفلٍ متراخي فإن أرادت الخيوط أو قطعة القماش أن تفر منها تستطيع فعل ذلك برحابة صدر.
حين أبدأ بالتطريز أرسم أزهاراً صغيرة في معظم الأحيان , لم أرسم على طارتي إلا الأزهار , ولكنها مبعثرة وهذا ما كان يحزنني
ويثير شفقتي, كثيراً ما حاولتُ أن أجمعها في لوحة متناسقة ولكنني لم أفلح أبداً.
إن طارتي معزولة ووحيدة , ألوانها تُسر الناظرين ولكنها يائسة وحزينة في داخلها ,
وأزهارها على سطحها غريبة عن هذا العالم , غريبة وبائسة.

جنة التليتابيز

كان ذلك في أواخر تسعينيات القرن الماضي , حيث كان العالم ممزقاً وكل قطعة منه تعيش على حدى , كنتُ أعيش في منطقة منسية في مدينة منسية وبعيدة عن العالم كأنها تعيش منعزلة على سطح سلحفاة ضخمة تطفو بعيداً في محيط ضخم , كانت أياما هانئة هادئة , حيث أكبر تحديات حياتي تتمثل بكيف أحصل على المرتبة الأولى على الصف والتي كنت أتنافس عليها مع اثنين من صِبية الحارة باسل وبهزاد.
كنا بشكل أو بآخر نُعتبر من الطبقة الأرستقراطية في الحارة حيث كنا أول مَن يقتني الأجهزة الكهربائية الحديثة , كما كانت تتردد علينا أرستقرطيات الحارة الأخريات بتنانيرهن القصيرة واللاتي كنّ يُثرن انتباهي بأناقتهن التي كنت أعتبرها سينمائية أخّاذة في بعض الأحيان.
ومن مظاهر الترف في منزلنا كانت غرفة الضيوف بأثاثها الجميل وستائرها البيضاء الفاخرة وتحفها النادرة والتي بعضها قد اشترتها أمي بعناية وبعضها كانت تحف جدتي لأبي المتوفية منذ زمن , كنت أقف أمام تلك التحف بهيبة ووقار كأني أقف في معبد , وحينما أدخل تلك الغرفة أشعر أنني في بلاط ملكي حيث كانت محظورة علينا أنا وإخوتي حتى أنها محظورة على الضيوف أيضاً حيث كنا نستقبلهم في غرفة الجلوس المطلّة على حديقة كبيرة جميلة تتوسطها شجرة رمان عظيمة , أما غرفة الضيوف تلك فكانت أبوابها تُشرّع في مناسبات خاصة جداً , وقد اتفقنا أنا و”هنادي” أنها كانت أجمل غرفة اقتنيناها على الإطلاق فلم نقتني مثلها بعد ذلك أبداً رغم أننا انتقلنا إلى بيوت كثيرة أجمل وأكبر بحكم الأعراف العامة.
تلك البقعة المنسية كانت تحدها من جهتين اثنين منطقة شاسعة من الخضار تفصلها عن المدينة وعن العالم , إنها أشبه بجنة التليتابيز دائمة الخضرة وكانت تبتدئ بوادٍ صغير “جاف بطبيعة الحال” ولكن كان يمتلئ قليلا بالماء في الشتاء فكنا نذهب لنلقي فيه الحصى ونتأمل ما تحدثه من دوائر ,دوائر ,دوائر. وفي أيام الربيع يجف الوادي فنذهب برحلات جميلة مع الجارات إلى ما بعد الوادي , إلى جنة التليتابيز تلك وكانت أبعد مكان أذهب إليه في وقتها ,
أما عندما تصحبني أمي أو جدتي لأمي إلى إحدى صديقاتهن -وكان ذلك نادراً لأنه لا يتحتم أن تذهب النساء مع صغارها إلى السهرات النسائية وكان ذلك عُرفاً سائداً ولكن أمي كانت تصحبني معها إلى سهرات رأس السنة وكنت أعتقد أنني أصبحت فتاة ناضجة واعية- وفي المرات القلائل التي أذهب بها كنت أرى المدينة والتي يمكن قطعها من الشرق إلى الغرب بعشرين دقيقة في السيارة ,كنت أراها كبيرة جدا وجدا , عظيمة ومهولة.
لقد كنّا أول مَن رحل من تلك الحارة , والآن قد اختلفتُ كثيراً عن تلك الطفلة التي تلعب بوسائد “الصوفا” وتتزحلق بها على الأرض مع صديقاتها حين تذهب أمها إلى زياراتها , تلك الطفلة التي تقضي ساعات أمام مرآة غرفة النوم تحدّث نفسها متخيلة أنها مذيعة على التلفزيون , تلك الطفلة التي تفتح فاها مندهشة من مقتنيات بيت جارتنا والتي كانت أكثر أرستقراطيةً منا , الطفلة التي تقطف “البابونج” من جانب المنزل المهجور وتلعب مع صِبية وفتيات الحارة “السبع حجرات” , أما الآن فأنا أتصفح العالم كله من خلال هذه الشاشة الصغيرة وأقتني ملابس على الموضة وأستغرب من ملابس صديقات أمي اللاتي يظهرن في الصور القديمة وأعتبرها مضحكة , أقرأ الكتب وأذهب إلى السينما لأشاهد أفلاماً بلغات شتى ولدي الكثير جداً من المعارف ولكنني رغم ذلك ضجِرة كما لم أكن سابقاً , ووحيدة ومنسية كما لم أكن سابقاً.

على أية حال , إن كنتُ قد نسيت تلك القطعة التي نسيها العالم قبلي فإنها متشبثة بعقلي اللاواعي حيث أن كل كل أحلامي ليلا , كلها, تبتدئ هناك أو تنتهي.
وقد ترسّخ في عقلي أنني وحدي التي رحلتُ , فعاقبني القدر, فكبرت , أما أصدقائي فما زالوا صغاراً وأني إذا ما عدتُ يوماً سأقابل العم موسى صاحب دكان السمانة أو جيراننا أصحاب المنزل الكبير الجميل والذي كنت أعتبره أعظم فنون العمارة الحديثة بل قصراً من قصور ألف ليلة وليلة, وسأقابل حتماً حسن وباسل وبهزاد وخلود ورهف وسارة أصدقائي في الصف , لم يكبروا مثلي إنهم هناك ما زالوا يمرحون في جنة التليتابيز وعشيةً يكتبون واجباتهم المدرسية.